أحمد بن علي القلقشندي
38
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
انقضائها ، واستجلبنا قلوب طوائف التّركمان بها ، وأوثقنا أسبابهم في البلاد بسببها ، لأمرين كلاهما عظيم : لرغبتنا فيما عند اللَّه ولما لهم من حقّ ولاء قديم ؛ كم صاروا مع الجيوش المنصورة جيوشا ، وكم ساروا إلى بلاد ملوك الأعداء فثلَّوا ( 1 ) لهم عروشا ، وكم كانوا على أعقاب العساكر المؤيّدة الإسلامية ردفا ومقدّمتهم في محاصرة جاليشا ( 2 ) ، وكم قتلوا بسهامهم كافرا وقدّموا لهم رماحهم نعوشا ؛ ومنهم أمراء وجنود ، ونزول ووفود ، وهم وإن لم يكونوا أهل خباء فهم أهل عمود ، وذوو أنساب عريقة ، وأحساب حقيقة ، إلى القبجاق ( 3 ) الخلَّص مرجعهم ، والفرس بفرسان دولتنا الشريفة تجمعهم - فاقتضى رأينا الشريف أن نرعى لهم هذه الحقوق بإبطال تلك الزيادة المرادة ، وأن نتناسى منها ما هو في العدد كالنّسيء في الكفر زيادة . فرسم بالأمر الشريف - لا زالت مواهبه تشمل الآفاق ، وتزيد على الإنفاق ، وتقدّم ما ينفد إلى ما هو عند اللَّه باق - أن يسامح جميع التّراكمين الدّاخل عدادهم في ضمان عداد التّركمان بالمملكة الحلبية المحروسة بما يستأدى منهم على الأغنام الدغالي ، وأن يكون ما يستخرج منهم من العدد على الكبار خاصة : وهو عن كل مائة رأس كبار ثلاثة أرؤس كبار خاصّة لا غير من من غير زيادة على ذلك ، مسامحة مستمرّة ، دائمة مستقرّة ، باقية بقاء الليالي والأيام ، لا تبدّل لها أحكام ، ولا
--> ( 1 ) ثلّ الدار : هدمها . وثلّ عرشه : أذهب سلطانه . ( 2 ) الجاليش كلمة فارسية ومعناها : الحرب والمعركة . والجاليش في الكتب العربية علم كبير في أعلاه خصلة من شعر الخيل . وقد كان من التقاليد المملوكية إذا عزم السلطان على الخروج للقتال أن يرفع هذا العلم أربعين يوما قبل يوم الخروج فوق مبنى الطبلخانة ( مكان في القلعة ) ؛ والجاليش أيضا تستعمل بمعنى طليعة الجند . وقد ذكرها المقريزي بشينين : « شاليش » . وتجمع على « جواليش » . ( انظر تأصيل ما ورد في تاريخ الجبرتي من الدخيل : ص 58 والصبح : 4 / 8 ) . ( 3 ) القبجاق أو القفجاق : فرع من الأتراك ، مساكنهم الأصلية حوض نهر « إرتش » ( في سيبيرية ) وقد تنقلوا حتى استقروا بحوض نهر « إثل » ( الفولغا ) في جنوبي الروسيا الحالية ، ويسميهم ابن خلدون أيضا « الخفشاخ » . ( دائرة المعارف الإسلامية : مادة « أتراك » - والأعلاق الخطيرة : 3 / 870 ومقدمة ابن خلدون : 136 ) .